الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
205
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الصلاح قال تعالى في سورة الأحقاف [ 29 ، 30 ] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً الآيات . ومعنى القول هنا : إبلاغ مرادهم إلى من يريدون أن يبلّغوه إليهم من نوعهم بالكيفية التي يتفاهمون بها ، إذ ليس للجن ألفاظ تجري على الألسن فيما يظهر ، فالقول هنا مستعار للتعبير عما في النفس مثل قوله تعالى : قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] فيكون ذلك تكريما لهذا الدّين أن جعل اللّه له دعاة من الثقلين . ويجوز أن يكون قولا نفسيا ، أي خواطر جالت في مدركاتهم جولان القول الذي ينبعث عن إرادة صاحب الإدراك به إبلاغ مدركاته لغيره ، فإن مثل ذلك يعبر عنه بالقول كما في بيت النابغة يتحدث عن كلب صيد : قالت له النفس إني لا أرى طمعا * وإن مولاك لم يسلم ولم يصد ومنه قوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [ المجادلة : 8 ] . وتأكيد الخبر ب ( أنّ ) لأنهم أخبروا به فريقا منهم يشكون في وقوعه فأتوا في كلامهم بما يفيد تحقيق ما قالوه وهو الذي يعبر عن مثله في العربية بحرف ( إن ) . ووصف القرآن بالعجب وصف بالمصدر للمبالغة في قوة المعنى ، أي يعجب منه ، ومعنى ذلك أنه بديع فائق في مفاده . وقد حصل لهم العلم بمزايا القرآن بانكشاف وهبهم اللّه إياه . قال المازري في « شرح صحيح مسلم » « لا بد لمن آمن عند سماع القرآن أن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة ، وبعد ذلك يقع العلم بصدق الرسول ؛ فإما أن يكون الجن قد علموا ذلك أو علموا من كتب الرسل المتقدمة ما دلهم على أنه هو النبي الأمّي الصادق المبشر به » ا ه . وأنا أقول : حصل للجن علم جديد بذلك بإلهام من اللّه لأدلة كانوا لا يشعرون بها إذ لم يكونوا مطالبين بمعرفتها ، وأن فهمهم للقرآن من قبيل الإلهام خلقه اللّه فيهم على وجه خرق العادة كرامة للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللقرآن . والإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بمن جاء به وبمن أنزله ولذلك قالوا وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً . وقد حصل لهؤلاء النفر من الجن شرف المعرفة باللّه وصفاته وصدق رسوله صلى اللّه عليه وسلم